الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

111

مختصر الامثل

السابقة حول المشركين الكفار وأقوالهم يوم القيامة ، فتتحدث حول وضع هؤلاء في الدنيا ومواقفهم عند سماعهم القرآن حتى يتّضح أنّ مصيرهم الأخروي المشؤوم إنّما هو نتاج تلك المواقف الخاطئة التي اتّخذوها إزاء آيات اللَّه في الدنيا . تقول الآية الكريمة الأولى : « وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالُوا مَا هذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُكُمْ » . فهذا أوّل ردّ فعل لهم إزاء « الآيات البينات » وهو السعي إلى تحريك حس العصبية في هؤلاء القوم المتعصبين . ثم توضّح الآية مقولتهم الثانية التي قصدوا بها إبطال دعوة النبي صلى الله عليه وآله فتقول : « وَقَالُوا مَا هذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى » . « إفك » : بمعنى كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه . وأخيراً ، كان الإتّهام الثالث الذي ألصقوه بالرسول صلى الله عليه وآله هو ( السحر ) كما نرى ذلك في آخر هذه الآية : « وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ » . في الآية التي بعدها ، يشطب القرآن الكريم على جميع تلك الإدّعاءات الواهية ، فيقول : « وَمَا ءَاتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ » . وهي إشارة إلى أنّ هذه الإدّعاءات يمكنها أن تكون مقبولة فيما لو جاءهم رسول من قبل بكتاب سماوي يخالف مضمونه الدعوة الجديدة ، فلا بأس أن ينبروا لتكذيبها . أمّا من لا يعتمد إلّاعلى فكره الشخصي - بدون أي وحي من السماء - وبدون أن يكون له نصيب من علم ، فلا يحق له الحكم لمجرد تلفيقه الخرافات والأوهام . الآية الأخيرة من هذه الآيات ، تهدّد تلك المجموعة المتمردة بكلمات بليغة مؤثرة فتقول : « وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ » في حين أنّ هؤلاء لم يبلغوا في القوة والقدرة عشر ما كان لُاولئك الأقوام « وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا ءَاتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ » . فمدنهم المدمّرة بضربات العقوبة الإلهية الساحقة ليست ببعيدة عنكم . . . فهي في الشام القريب منكم ، فليكونوا لكم مرآةً للعبرة ، واستمعوا إلى النصائح التي يقولها الدمار ، وقارنوا مصيركم بمصيرهم ، فلا السنّة الإلهية قابلة للتغيير ولا أنتم أقوى منهم . قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ( 46 )